روايات كاملة

الصيدليه

عندي صيدلية صغيرة ورثتها عن والدي الله يرحمه، موجودة في شارع جانبي وهادي، رغم إنه في حي شعبي.. وقضيت فيها معظم عمري بين الأدوية والروشتات.. والحمد لله الناس في المنطقة كلها تعرفني وبتثق فيا، وبييجوا يستشيروني في أي تعب أو مرض قبل ما يروحوا للدكتور.
شغلانة الصيدلي تحديدًا وخصوصًا بالليل، ليها جو خاص، لأن الناس اللي بتيجي بتبقى قليلة، وأغلبهم جايين في حالة طارئة، أو من النوعية اللي بيدوروا على أدوية مخدرة، جدول يعني، ودول بقى التعامل معاهم قصة وحوار تاني.. لكن ربنا بيسترها وبيلهم الواحد يتصرف كويس معاهم.

وفي ليلة من ليالي الصيف الحر، كنت قاعد في الصيدلية لوحدي، تقريبًا على الساعة تلاتة الفجرية، وساعتها استغليت الهدوء وقولت أقفل حسابات اليوم. وسمعت صوت خبطات على باب الصيدلية الازاز، وقيت ست واقفة بره شكلها غريب ومريب، ضهرها محني، ولابسة عباية سودة طويلة ومغطية وشها بطرحة سودة، ومكنش باين منها أي ملامح، وبرغم كده فضلت واقفة في ثبات رهيب زي التمثال.. قولت إزاي خبطت وهي واقفة كده؟.. طنشت وقولت لنفسي: يمكن مش قادرة تفتح الباب فخبطت.
قومت فتحتلها الباب وقلتلها:
ـ أؤمري يا حاجة، عينيا ليكي، حضرتك محتاجة حاجة؟
الست مردتش، بس دخلت الصيدلية بخطوات بطيئة ووقفت جوه وهي لسه ساكتة ومغطية وشها.
في الحظة دي بدأت أقلق؛ مين الست دي، وعايزة إيه في الوقت المتأخر ده؟ فقولتلها تاني:
ـ محتاجة دوا معين يا حاجة؟
الست رفعت إيدها من تحت العباية، إيد مجعدة ولونها مزرق زي لون الميتين.. ومدتها وهي فيها ورقة صغيرة متطبقة ومتهالكة.. أخدت منها الورقة وفتحتها.. ولقيتها روشتة قديمة مكتوبة بخط مش واضح، وبلون حبر باهت كأنها مكتوب من سنين طويلة.
الروشتة مكتوب فيها اسم دوا واحد بس، اسم غريب أول مرة أشوفه في حياتي، استغربت جدًا وأنا بقول في نفسي: إيه الدوا ده؟
بصيت على اسم الدكتور اللي في الروشتة، لقيت اسم دكتور قديم أوي، كنت سمعت عنه من أبويا الله يرحمه، بيقولوا إنه كان ليه ممارسات طبية مشبوهة وغير أخلاقية.
فقولت للست:
ـ يا حاجة الدوا ده مش موجود، وأنا أول مرة أسمع عنه. والدكتور اللي كاتب الروشتة دي مات من زمان أوي.
ردت عليا بصوت واطي ومبحوح:
ـ الدوا موجود.. ده دوا تركيب والتركيبة عندك.. لازم تعملهولي.. هو محتاجه ضروري..
ـ تركيب إيه، ده اتغلى من زمن الزمن، وهو مين ده اللي محتاجه؟
الست شاورت بإيدها ناحية بره الصيدلية، وقالت:
ـ ابني.. اللي مستنيني بره.. ابني عيان أوي.. والدوا ده هو اللي هيخففه.
بصيت بره الصيدلية من مكاني ورا الباب بس ملقيتش حد، فقولتلها:
ـ يا حاجة مفيش حد بره.. ومفيش دوا تركيب دلوقتي.
الست قربت وشها مني، وقالت بصوت مرعب:
ـ بص تاني كويس على ضهر الروشتة.
قلبت الروشتة بسرعة، ولقيت على ضهرها رموز غريبة مرسومة بدم ناشف، رموز شيطانية ومخيفة معرفش معناها إيه.. رميت الروشتة من إيدي وأنا مرعوب:
ـ إيه ده، أنتي مين وعايزة مني إيه؟
الست ضحكت ضحكة مفزعة، وبدأت تتحرك ناحية الباب وخرجت منه وهو مقفول واختفت.

في اللحظة دي أخدت المفاتيح وقفلت باب الصيدلية وجريت على البيت زي المجنون.
ولما دخلت البيت فضلت اترعش، برغم إن الجو نا.ر والرطوبة عالية، مراتي فضلت تهديني لحد ما نمت وتاني يوم حكيتلها، مكنتش مستوعبة اللي أنا بقوله، بس قالتلي إني وارد حاجة كده تحصل، لأن الليل مفروض للسكون، وأكيد مليان حاجات غريبة ومرعبة.

كان لازم أروح الصيدلية، لأني كمان لقيت الدكتورة اللي ماسكة شيفت الصبح رنت عليا، لأن الصيدلية مش بتقفل، والمفروض إنها بتستلم مني.. ليست ونزلت روحت الصيدلية.. وهناك الدكتورة قالتلي إنها استغربت لما لقيت الصيدلية قافلة، وكويس إنها بتنزل بنسخة من المفاتيح دايمًا، واستغربت أكتر لأنها لقت روشتة على الأرض مكتوب عليها اسم دوا غريب.. ادتني الروشتة، وطبعًا هي روشتة إمبارح.. ولو أنت مستني أي تفسير فأنا للأسف معنديش، أنا سألت كتير جدًا في المنطقة، لو ست مثلًا حصلها حاد.ثة ولا أي حاجة غريبة، محدش قال حاجة مفيدة.. فرجحت اللي مراته قالته، إن الليل غريب ومريب ومليان مواقف زي وصفه بالظبط.. وإننا كلنا بنتعرض أحيانًا لمواقف عمرنا مقدرنا نفسرها.
ومن الليلة دي؛ وأنا جيبت شاب يشتغل معايا في الصيدلية بليل عشان مقعدش لوحدي.

تمت.
#فهد_حسن

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button